سيد محمد طنطاوي

44

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم بين - سبحانه - جانبا آخر من مظاهر فضله على عباده المؤمنين فقال : * ( وأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ) * . أي : وأمددنا هؤلاء المؤمنين - على سبيل الزيادة عما عندهم بفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وبلحم لذيذ تشتهيه نفوسهم . * ( يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً ) * أي : يتجاذبون على سبيل المداعبة ، ويتعاطون على سبيل التكريم ، الأواني المملوءة بالخمر التي هي لذة للشاربين . * ( لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ ) * أي : لا يصدر منهم في أعقاب شربهم لتلك الخمر ، ما جرت به العادة في أعقاب شرب خمر الدنيا ، من أن الشارب لها يصدر منه كلام ساقط لا خير فيه ، ويأتي من الأقوال والأفعال ما يعاقب عليه . ويرتكب الإثم بسببه . قال صاحب الكشاف : * ( لا لَغْوٌ فِيها ) * أي : في شربها * ( ولا تَأْثِيمٌ ) * أي : لا يتكلمون في أثناء الشرب بسقط الحديث ، وما لا طائل تحته ، كفعل المتنادمين في الدنيا على الشراب في سفههم وعربدتهم ، ولا يفعلون ما يؤثم به فاعله ، أي : ينسب إلى الإثم لو فعله في دار التكليف من الكذب والشتم والفواحش ، وإنما يتكلمون بالحكم وبالكلام الحسن متلذذين بذلك ، لأن عقولهم ثابتة غير زائلة وهم حكماء علماء « 1 » . * ( ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ ) * أي : ويطوف عليهم بتلك الكئوس المليئة بالخمر ، غلمان لهم ، لكي يكونوا في خدمتهم . * ( كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ) * أي : كأن هؤلاء الغلمان في صفائهم ونقائهم ، لؤلؤ مصون ومحفوظ في صدفه لم تنله الأيدي . يقال : كننت الشيء كنّا وكنونا ، إذا جعلته في كنّ ، وسترته عن الأعين . ثم حكى - سبحانه - تساؤلهم وهم في الجنة ، فقال : * ( وأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ) * أي : وأقبل بعضهم على بعض وهم في الجنة ، يسأل أحدهم الآخر عن أحواله وعن أعماله ، وعن حسن عاقبته . * ( قالُوا ) * أي : قال كل مسؤول لسائله : * ( إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ ) * أي : إنا كنا في الدنيا ونحن نعيش بين أهلنا خائفين من أهوال يوم القيامة ، وكنا نقدم العمل الصالح الذي نرجو أن ننال بسببه رضا ربنا : فقبل - تعالى - بفضله منا هذا العمل * ( فَمَنَّ اللَّه عَلَيْنا ) * أي فتكرم علينا بمغفرته ورضوانه .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 412 .